السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
165
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
اللّه تعالى لا تنفد ، ولا يقال لم أعطى هذا ومنع هذا ، لأنه لا يسأل عما يفعل ، وأفعاله لا تعلل . واعلم أنه لا يوجد في القرآن غير ثلاث آيات مبدوءة بحرف الزاي : هذه والآية 13 من آل عمران الآتية والآية 7 من سورة التغابن الآتية أيضا ، وقد نزلت هذه الآية والتي قبلها في المنافقين ورؤساء اليهود الذين يكتمون آيات اللّه لقاء ما يأخذونه من مال الدنيا الفاني ، وفي أبي جهل وأضرابه الذين ينكرون البعث ويكذبون آيات اللّه ويتنعمون بما بسط لهم من نعيم الدنيا ، وفي الحقيقة أن اللّه تعالى هو الذي زين لهم ذلك كما ألمعنا إليه في مواضع كثيرة ، ويؤيد قراءة زين بالمعلوم أي بما أظهره لهم من زهرة الدنيا ابتلاء وامتحانا لهم ، وبما ركب في أطباعهم من الميل والحب والرغبة إلى المحرمات ، أي أن هذه الدنيا حسنت لهم الحياة فيها وتشربوا في محبتها حتى تغلغلت في قلوبهم ، ولكن لا على سبيل الإلجاء والقسر بل على سبيل التحبب للنفس مع إمكان ردها ، ولكن الناس نظروا إلى الدنيا بأكثر من قدرها فأعجبهم حسنها ففتنوا بها وعكفوا على الإقبال إليها والانهماك فيها ، فرموا بكليتهم عليها ، وأن اللّه تعالى زاد في إمهالهم وكثر عليهم نعمه ومتعهم بالصحة والمال والجاه لعلهم يرجعون فلم ينجع بهم ، وكان هذا من جملة التزيين للدنيا في أعينهم وقلوبهم . وقيل إن المزين لهم شياطين الإنس والجن الغواة الذين يحببون لهم الدنيا وما فيها من المحرمات حتى تهالكوا عليها وتفانوا فيها ويغفلونهم عن ذكر الآخرة والاعتراف بوجودها ، ويقولون لهم إن القول بذلك حديث خرافة لينصرفوا إليها الضمير يعود للدنيا ويضمحلوا في حبها ، ولكنه من الضعف بمكان ، لأن غواة الإنس والجن والشياطين داخلون في هذا التزيين ، وكلهم مزيّن لهم ، والمزين لا بد وأن يكون مغايرا للمزين له . روى البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول ألا أخبركم بأهل الجنة : كل ضعيف مستضعف لو أقسم على اللّه لأبره ، ألا أخبركم بأهل النار كل عتل ( فظ غليظ شديد لا ينقاد إلى الخير ) جواظ ( فاجر محتال قصير بطين ) جعظريّ ( متمدّح بما ليس فيه ) مستكبر . ورويا عن أسامة بن زيد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين وأصحاب الجد ( الحظ والغنى )